
وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ{البقرة/41}
ذكر بعض المفسرين عن الإمام الباقر(ع) في سبب نزول هذه الآية أن بنَ أَخْطَبَ وَكَعْب بْن أَشْرَفَ وَآخَرُين مِنَ الْيَهُودِ، لَهُمْ مَأْكَلَة عَلَى الْيَهُودِ في كُلِّ سَنَة، فَكَرِهُوا بُطْلاَنَهَا بِأَمْرِ النَّبِيّ(ص) فَحَرَّفُوا لِذَلِكَ آيَات مِنَ التَّوْرَاةِ فِيهَا صِفَتُهُ وَذِكْرُهُ فَذَلِكَ الَّثمَنُ الَّذي أُرِيدَ فِي الاْيَةِ:
نزل القرآن مصدقاً لما جاء في التوراة حول صفات رسول الله محمد(ص) وقد أمرهم الله أن يؤمنوا بالقرآن الذي يتفق مع توراتهم في ذلك، ولكنهم راحوا يحرفون التوراة حقداً على رسول الله من أجل مطامع زهيدة لا قيمة لها، ولكن بني إسرائيل كانوا وما يزالون يرتكبون المجازر من أجل رغيف خبز، ثم حذرهم الله من ذلك ودعاهم إلى التقوى التي هي باب النجاح ومفتاح الفلاح.
وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ{البقرة/42}
لا تخلطوا الحق بالباطل من أجل إشباع شهواتكم ولا تكتموا الحق الموجود عندكم حقداً منكم على الإسلام والرسول بل عليكم أن تخضعوا لأمر الله الذي فضلكم على من سواكم ولكنكم لم تكونوا أهلاً لهذا التفضيل.
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ{البقرة/43}
كانت صلاة اليهود خالية من الركوع ولهذا أمرهم الله تعالى بالركوع بعدما أمرهم بإقامة الصلاة، والمراد بإقامة الصلاة هو الإتيان بها مع حضور القلب والخشوع وليس مجرد أذكار وحركات، ثم أمرهم بالزكاة وقد كانوا يمنعون الناس ويسرقونهم ولا يقدمون فلساً واحداً لأحد، ولا شك بأن هذا كان امتحاناً صعباً لليهود فكيف يمكن للبخيل الذي عشق المال أن ينفق منه دون مقابل مادي.
أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ{البقرة/44}
يظهر جلياً وجود توبيخ في هذه الآية لليهود، وخصوصاً لعلمائهم الذين كانوا يعيبون على الناس الكفر بمحمد وهم به كافرون، وكانوا يطلبون من بعض المسلمين أن يثبتوا على الإيمان وهم خارجون عن تلك الدائرة، ولهذا استحقوا التوبيخ من الله على ما كانوا يفعلونه، فقبل أن تأمر الناس بشيء عليك أن تفعله، وقبل أن تنهاهم عن فعل شيء عليك أن تتركه وإلا كان ذلك تلاعباً وخداعاً، ويا علماء اليهود أنتم أعرف من غيركم بعلوم الكتاب الذي يأمركم بالإيمان بمحمد لأنكم أنتم الذين تتلون الكتاب أفلا تعقلون وترجعون عن هذا السلوك السيء، فعلى المبلغ أن يبلغ الناس بقوله وفعله وليس بالقول فقط، ولذا جاء عن الصادق(ع) أنه قال: كُونُوا دُعَاةَ النَّاسِ بِأَعْمَالِكُمْ وَلاَ تَكُونُوا دُعَاةً بِأَلْسِنَتِكُمْ: وكان أمير المؤمنين علي(ع) يقول: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي وَاللهِ مَا أَحُثُّكُمْ على طَاعَة إِلاَّ وأَسْبِقُكُمْ إلَيْهَا، وَلاَ أَنْهَاكُمْ عَنْ مَعْصِيَة إِلاَّ وَأَتَنَاهَىْ قَبْلَكُمْ عَنْهَا:
وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ{البقرة/45}
يحثهم رب العالمين على الإستعانة بالصبر والصلاة فإن ذلك يخفف عليهم الأمر ولكنهم كانوا يستثقلون أوامر الله باستثناء الخاشعين الذين استعانوا بهما على أمورهم وقضاء حوائجهم للدنيا والآخرة.
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ{البقرة/46}
في هذه الآية الكريمة يصف الله الخاشعين بأنهم الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، والظن هنا بمعنى اليقين، وحتى لو لم يكن بمعنى اليقين فهو كاف في أن يتوجه الإنسان لربه ويخشاه بالغيب، فالخاشعون يؤمنون بالله وبيوم القيامة ويهيؤون أنفسهم للقاء ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ{البقرة/47}
يكرر الله تعالى تذكيره لبني إسرائيل بنعمه عليهم حتى يؤمنوا ويعملوا صالحاً، فأشار إلى بيان نعمه العامة عليهم ونعمة ميزهم بها عن غيرهم حيث فضّلهم على العالمين، وهذا التفضيل ليس أبدياً بل كان خاصاً في زمن خاص وفي بقعة معينة وإلا فكيف يكونون مفضلين على العالمين وقد غضب الله عليهم وأعد لهم عذاباً أليماً، فلقد فضلهم في السابق ليحتج عليهم ولكنهم لم يكونوا أهلاً لهذا التفضيل حيث ارتكبوا جميع أنواع المحرمات في حق أنفسهم وحق غيرهم من الأنبياء خصوصاً ومن الناس عموماً، ولو لم يكن لبني إسرائيل غير نعمة خلاصهم من شر فرعون لكفاهم ذلك ولكن الله تعالى كان يُنعم عليهم مرة بعد أخرى حتى ازدادوا كفراً وعبدوا العجل من دون الله، ويمكن الإستدلال على عدم دوام تفضيلهم بمخاطبة الله المسلمين بقوله(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)
وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ{البقرة/48}
كان اليهود غارقين في بحر من الأوهام، فلقد كانوا يصرون على الكفر والعناد ويدّعون بأن الأنبياء سوف يشفعون لهم فرد الله عليهم بهذه الآية التي أشار فيها إلى أنه لن تَجزي نفس عن نفس ولن يقبل الشفاعة فيهم ولن ينصرهم هناك يوم يقوم الناس والميزان ويكون الحساب العادل، وهناك لا يقبل الله بالعَدل من الإنسان، والعدل هو دفع شيء مقابل شيء فلو أنهم افتدوا بما في الأرض جميعاً فلن يغفر الله ذنوبهم(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ{البقرة/49}
في هذه الآية يبين الله سبحانه أحد أكبر النعم التي منّ بها على بني إسرائيل من قبل، وهي نجاتهم من ظلم فرعون حين أغرقه وجنوده على مرأى منهم ومسمع فلقد كان آل فرعون يسومون بني إسرائيل أشد أنواع العذاب، والسام هو الظلم والتعذيب، وقد ورد هنا بصيغة المضارع للدلالة على أنه كان تعذيباً مستمراً لم يتوقف عنهم إلا بعد أن أهلك الله فرعون، ثم يذكّرهم ربهم ببعض أنواع ذلك الظلم وهين أن فرعون كان يذبح أبناءهم على مرأى منهم دون رحمة أو شفقة، فإنه لم يذبح الشباب عندما رأى تلك الرؤيا فقط وإنما كان دائماً يذبحهم للتشفي واللذة، وكان يستحيي نساءهم ويأسرهم ويقدمهم لزبانيته.
وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم، وللبلاء معنيان فإنه إما أن يأتي للدلالة على العقاب، وإما أن يدل على الإمتحان، وكان الله تعالى قد امتحن بني إسرائيل بامتحانات عظيمة ولكنهم لم ينجحوا في الإمتحان حيث اتبعوا أهواءهم، وقد ذهب بعض المفسرين أن البلاء قد يأتي للدلالة على النعمة وكأن الله تعالى يقول لبني إسرائيل إن إهلاك فرعون وجنوده هو نعمة عظيمة.
وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ{البقرة/50}
في الآية السابقة ذكّرهم ربهم بنعمته عليهم بما فعل بفرعون وجنوده، وفي هذه الآية يعطيهم شيئاً من التفصيل ويبين لهم كيفية إهلاك فرعون وذلك عندما كان البحر أمامهم وفرعون وجنوده وراءهم وطنوا أنهم مدرَكون من جنود فرعون فأوحى الله إلى كليمه موسى بأن يضرب البحر بعصاه فانفلق البحر وانشقت فيه طرق يابسة عبر منها بنو إسرائيل وعندما دخلها فرعون وجنوده أمر الله البحر بأن يطبق عليهم فانطبق عليهم فأغرقهم جميعاً، كل ذلك وبنوا إسرائيل ينظرون إلى ما يجري.
الشخ علي فقيه



